أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
115
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : إِلَّا أَنْفُسَهُمْ : « إلا » في الأصل حرف استثناء ، وأنفسهم مفعول به ، وهذا الاستثناء مفرغ ، وهو عبارة عما افتقر فيه ما قبل « إلا » لما بعدها ، ألا ترى أن « يخادعون » يفتقر إلى مفعول ، ومثله : « ما قام إلا زيد » فقام يفتقر إلى فاعل ، والتامّ بخلافه ، أي : ما لم يفتقر فيه ما قبل « إلّا » لما بعدها ، نحو : قام القوم إلا زيدا ، وضربت القوم إلا بكرا ، فقام قد أخذ فاعله ، وضربت أخذ مفعوله ، وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون بعد نفي أو شبهه كالاستفهام والنفي . وأمّا قولهم : « قرأت إلا يوم كذا » فالمعنى على نفي مؤول تقديره : ما تركت القراءة إلا يوم كذا ، ومثله : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ « 1 » ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ « 2 » ، للاستثناء أحكام كثيرة تأتي مفصلة في غضون الكتاب إن شاء اللّه تعالى . وقرئ : « وما يخدعون » مبنيا للمفعول ، وتخريجها على أنّ الأصل وما يخدعون إلا عن أنفسهم ، فلمّا حذف الحرف انتصب على حدّ : 178 - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا * . . . « 3 » و « يخدّعون » « 4 » من خدّع مشددا ، و « يخدّعون » بفتح الياء والتشديد والأصل : يختدعون فأدغم . وَما يَشْعُرُونَ هذه الجملة الفعلية ، يحتمل ألّا يكون لها محلّ من الإعراب ، لأنها استئناف ، وأن يكون لها محلّ وهو النصب على الحال من فاعل يَخْدَعُونَ ، والمعنى : وما يرجع وبال خداعهم إلا على أنفسهم غير شاعرين بذلك . ومفعول يَشْعُرُونَ محذوف للعلم به ، تقديره : وما يشعرون أنّ وبال خداعهم راجع على أنفسهم ، أو اطّلاع اللّه عليهم ، والأحسن ألّا يقدّر له مفعول لأنّ الغرض نفي الشعور عنهم البتة من غير نظر إلى متعلّقه ، والأول يسمّى حذف الاختصار ، ومعناه حذف الشيء لدليل ، والثاني يسمّى حذف الاقتصار ، وهو حذف الشيء لا لدليل . والشعور : إدراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى ، مشتقّ من الشعر لدقّته ، وقيل : هو الإدراك بالحاسّة مشتقّ من الشّعار ، وهو ثوب يلي الجسد ، ومنه مشاعر الإنسان أي حواسّه الخمس التي يشعر بها . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 10 إلى 11 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : الآية . الجارّ والمجرور خبر مقدم واجب التقديم لما تقدّم ذكره في قوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ « 5 » . والمشهور تحريك الراء من « مرض » ، وروى الأصمعي « 6 » عن أبي عمرو سكونها ، وهما لغتان في مصدر مرض يمرض . والمرض : الفتور ، وقيل : الفساد ، ويطلق على الظلمة ، وأنشدوا :
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 32 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 45 ) . ( 3 ) وهو لجرير وقد تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 57 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 7 ) . ( 6 ) عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن عليّ بن أصمع الأصمعي البصري اللغوي أحد أئمة اللغة والغريب والأخبار والملح والنوادر ، توفي سنة ست عشرة ومائتين عن ثمان وثمانين سنة . البغية ( 2 / 112 - 113 ) .